الخطيب الشربيني
283
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قيل : إنّ سبب الامتحان أنه كان من أرادت منهنّ إضرار زوجها قالت : سأهاجر إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فلذلك أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بامتحانهنّ اللَّهُ أي : المحيط بكل شيء قدرة وعلما أَعْلَمُ أي : منكم ومن أنفسهنّ بِإِيمانِهِنَّ هل هو كائن ، أم لا على وجه الرسوخ ، أم لا فإنه المحيط بما غاب كإحاطته بما شوهد ، وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا للناس فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ أي : العلم الممكن لكم ، وهو الظنّ المؤكد بالإمارات الظاهرات بالحلف وغيره فَلا تَرْجِعُوهُنَّ أي : بوجه من الوجوه إِلَى الْكُفَّارِ وإن كانوا أزواجا . قال ابن عباس : لما جرى الصلح مع مشركي قريش عام الحديبية على أنّ من أتاه من أهل مكة ردّه إليهم جاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ من الكتاب ، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم بالحديبية بعد فأقبل زوجها وكان كافرا وكان صيفي بن الراهب ، وقيل : مسافر المخزومي فقال : يا محمد أردد علي امرأتي فأنت شرطت ذلك ، وهذه طية الكتاب لم تجف بعد فأنزل الله تعالى هذه الآية . وروي « أنّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط جاءت للنبي صلى اللّه عليه وسلم فجاء أهلها يسألونه أن يردّها ، وقيل : هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها عمارة والوليد ، فردّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أخويها وحبسها فقالوا للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ردّها علينا للشرط ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : كان الشرط في الرجال لا في النساء فأنزل الله تعالى هذه الآية » « 1 » . وعن عروة قال كان مما اشترط سهل بن عمرو على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في الحديبية أن لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ، وخليت بيننا وبينه ، فكره المؤمنون ذلك وأبى سهل إلا ذلك ، فكاتبه النبيّ صلى اللّه عليه وسلم على ذلك ، فردّ يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال إلا ردّه في تلك المدّة ، وإن كان مسلما حتى أنزل الله تعالى في المؤمنات ما أنزل ، وهذا يومي إلى أنّ الشرط في ردّ النساء نسخ بذلك ، وهذا مذهب من يرى نسخ السنة بالقرآن . وقال بعض العلماء : كله منسوخ بالقرآن ، وقالت طائفة : لم يشترط ردّهنّ في العقد لفظا ، وإنما أطلق العقد في ردّ من أسلم فكان ظاهر العموم اشتماله عليهنّ مع الرجال ، فبين الله تعالى خروجهنّ عن عمومه وفرق بينهنّ وبين الرجال لأمرين : أحدهما : أنهنّ ذوات فروج فحرمن عليهنّ ، الثاني : أنهنّ أرق قلوبا وأسرع تقلبا منهم ، فأما المقيمة منهنّ على شركها فمردودة عليهم لا هُنَّ أي : المؤمنات حِلٌّ أي : موضع حلّ ثابت لَهُمْ أي : الكفار باستمتاع ، ولا غيره . وقوله تعالى : وَلا هُمْ أي : رجال الكفار يَحِلُّونَ لَهُنَّ أي : المؤمنات تأكيد للأوّل لتلازمهما . وقال البيضاوي : والتكرير للمطابقة والمبالغة ، والأولى لحصول الفرقة ، والثانية للمنع عن الاستئناف . وقيل : أراد استمرار الحكم بينهم فيما يستقبل كما هو في الحال ما داموا مشركين ، وهنّ مؤمنات . والمعنى : لم يحل الله تعالى مؤمنة لكافر في حال من الأحوال ، وهذا أدل دليل على أنّ الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها الكافر إسلامها لا هجرتها . وقال أبو حنيفة : الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين ، والصحيح كما قال ابن عادل : الأول لأنّ الله تعالى بين العلة ، وهو عدم الحل بالإسلام لا باختلاف الدار . ولما نهى عن الردّ وعلله أمر بما قدم من الأقساط إليهم فقال تعالى : وَآتُوهُمْ أي : أعطوا الأزواج ما أَنْفَقُوا أي : عليهنّ من المهور ، فإنّ المهر في نظير أصل العشرة ودوامها ، وقد
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في الشروط حديث 2711 ، 2712 .